المصدر: يديعوت أحرونوت
الغارات التي شنّها الطيران الإسرائيلي على سورية يوم الثلاثاء، ترافقت مع تصريحات وزير الدفاع كاتس بأن "كلّ محاولة لقوات النظام السوري بشأن التمركز في جنوب سورية سيُرَد عليها بالنار". كان الهدف من القصف رفع مستوى التهديد الأمني، بينما شكلت تصريحات وزير الدفاع تلميحاً إلى الرئيس التركي، "السيد" الجديد في سورية، الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي السورية التي سيطرت عليها، بعد سقوط نظام الأسد.
فالساحة التي كانت تسيطر عليها ميليشيات مدعومة من إيران، تشهد اليوم بروز قوات جديدة من تنظيمات متطرفة تسيطر عليها تركيا وتدعمها، وهذه القوات تدفع بميزان القوى الإقليمي نحو مستقبل غير واضح، يمكن أن يشكل خطراً أكبر من الخطر الإيراني الذي تعيش إسرائيل في ظله منذ عشرات الأعوام.
يسرّع رجب طيب أردوغان مساعيه من أجل إعادة صوغ الشرق الأوسط، حسبما تراه تركيا، وتجد إسرائيل نفسها في مواجهة تهديد جديد محتمل على حدودها الشمالية. و كلما تصاعد النفوذ التركي في سورية وعززت أنقرة علاقاتها مع التيارات الإسلامية، كلما تصاعدت هذه المخاوف.
قبل 3 أسابيع، نقلت وكالة رويترز، بعد اجتماع الزعيم السوري أبو محمد الجولاني مع أردوغان، خبر التوصل إلى اتفاق تقيم تركيا، وِفقه، قواعد لسلاح الجو على الأراضي السورية، وتستخدم المجال الجوي السوري من أجل أهداف عسكرية، فضلاً عن تأهيل قوات الجيش السوري الجديد على يد عناصر من الجيش التركي.
وسارعت إسرائيل إلى الرد على ذلك. فحذّر رئيس الحكومة نتنياهو من أن "إسرائيل ستعمل على منع ظهور أيّ تهديد بالقرب من الحدود الجنوبية الغربية السورية"، وشدد في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، من خلال التلميح الواضح إلى تركيا، على أنه "إذا كان هناك مَن يعتقد اليوم أن إسرائيل ستسمح لقوات معادية أُخرى باستخدام سورية كقاعدة للعمل ضدنا، فهو مخطىء جداً".
في كانون الثاني/يناير الماضي، حذّر تقرير صادر عن لجنة يعقوب نيجل، المسؤولة عن ميزانية إسرائيل، من أن "التطلعات التركية إلى استعادة مجد السلطنة العثمانية" تشكل تحدياً أمنياً متنامياً. ويشير التقرير إلى أن استبدال نظام الأسد بنظام متطرف معادٍ لإسرائيل يمكن أن يشكل خطراً أكبر من التهديد الإيراني، وذلك نظراً إلى قُرب سورية الجغرافي وأهميتها الاستراتيجية.
وعلى الرغم من عدم اليقين الذي لا يزال يحيط بمستقبل سورية ونيات الرئيس السوري الموقت أحمد الشرع، زعيم "هيئة تحرير الشام" الذي كان يُلقب بـ"أبو محمد الجولاني"، فإن الواقع الناشىء يمكن أن يخلق تحديات بالنسبة إلى إسرائيل.
صحيح أن الشرع يحاول الظهور بصورة معتدلة من خلال تصريحاته بشأن إسرائيل، ويشير إلى أن دمشق ليست معنية بالنزاع مع إسرائيل، بل بإعادة بناء سورية، إلّا إن عدداً من المعلّقين في العالم العربي يصف تغيُّر الجولاني بأنه جزء من استراتيجيا جرى التخطيط لها بدقة في أنقره من أجل توسيع سيطرتها على سورية.
يقوم أردوغان بالدفع بهذه الفكرة، انطلاقاً من منظور تاريخي كانت خلاله سورية تشكل جزءاً من الحكم التركي حتى الحرب العالمية الأولى. قبل عدة أشهر، صرّح أردوغان بأنه "لو لم تقسَّم المنطقة بعد الحرب الأولى، لكانت مدن، مثل حلب ودمشق وحماه وحمص، لا تزال جزءاً من تركيا". يكشف هذا الكلام تطلعات أردوغان إلى فرض هيمنة تركيا على سورية من خلال تأييد الفصائل الإسلامية المتطرفة، وفي طليعتها هيئة تحرير الشام التي يترأسها أبو محمد الجولاني.
تشير تقارير الاستخبارات الغربية إلى أن تركيا لعبت دوراً حاسماً في سقوط نظام الأسد، ليس فقط من خلال تسليح المعارضة السورية وتمويلها، بل أيضاً من خلال الدفع بصعود الجولاني إلى الساحة السياسية. قدمت أنقرة دعماً عسكرياً ولوجستياً للفصائل الجهادية منذ سنة 2017، وحولت هيئة تحرير الشام، التي يترأسها الجولاني، من مجموعات جهادية إلى كيان سياسي ينتمي إلى عائلة الإخوان المسلمين، وهي الحركة الأم التي تنتمي إليها حركة أردوغان وحركة "حماس" والتنظيمات الجهادية.
استعاد الجولاني اسمه الحقيقي أحمد الشرع، ويقدم نفسه كرئيس انتقالي، ويتعهد تطبيق الدستور وإجراء انتخابات، وفق النموذج التركي. لكن المعارضة الشعبية في داخل سورية لهيمنة الإخوان المسلمين لا تزال تشكل عقبة أمام هذا المشروع. لقد باءت محاولات الحكم الإسلامي في دول أُخرى، مثل مصر وتونس، بالفشل جرّاء المعارضة الشعبية والأزمات الاقتصادية، وهو ما يطرح ظلاله على هكذا سيناريو.


